مقالات

مأزق الرئيس قيس سعيّد

حمزة المدب*
دون الدخول في الجدل حول دستورية القرارات التي أقدم عليها قيس سعيّد،٢٥ تمّوز ٢٠٢١والتي هي في نظري انتهاك لدستور 2014، وانقلاب باستعمال الفصل 80 من الدستور،بالرغم من شرعية المطالب الشعبية الداعية للخروج من حالة الانسداد والتعفّن التي عرفها البلد في الأشهر الماضية. المهم،بعد أسبوع من إصدار القرارات،بات من الواضح أن الرئيس في مازق. تأخّر الإعلان عن خارطة الطريق،يعكس في الواقع هذا المأزق وأبعاده الثلاثة ،التي يمكن اختزالها في: ١-المسألة المالية و الاقتصادية. ٢- التنافس الاقليمي ٣-إمكانية الانقسام الحاد الذي ينجرّ إلى مقتضيات المرحلة القادمة. 1- الرئيس في مأزق، بسبب الوضع الاقتصادي المنهار،ومشاكل المالية العمومية.المسار الذي بدأه الرئيس، لن ينتهي في شهر أو اثنين،بل يحتاج إلى مدة لتنظيم انتخابات،واستفتاء و تغيير النظام السياسي.المعضلة، إن زمن الاقتصاد متسارع، والالتزامات المالية، تمثّل حائطا قد ترتطم به خطط قيس سعيّد.باختصار، كيف سيجابه قيس سعيّد الالتزامات المالية الضاغطة والمستعجلة. من أين له أربعة إلى خمسة مليار دولار،قبل نهاية السنة لضمان حسن سير الدولة والوفاء بالتزاماتها، من أجور و دعم و سداد دين الخ. في مصر، دفع الخليجيون بسخاء لضمان استقرار نظام السيسي، ولكن طبعا كله بثمنه و شروطهم معروفة. في المقابل، فتح الباب على المجهول الدستوري ستكون له تاثيرات على الرزنامة المالية:المفاوضات مع صندوق النقد،قانون الميزانية و تعبئة الموارد. كان البلد يسابق الزمن لتفادي الانهيار صار يسرع الخطى نحو المجهول. الوضعية المالية،ستكون بالضرورة محدّدا أساسيًا في مجريات الأحداث،من سيدفع نقدا، سيدفع بالبلد في هذا الاتجاه أو ذاك. هل نظر في الالتزامات المالية و الاقتصادية، قبل الإقدام على خطوته.إن أغفلها، ستكون عنصرا ضاغطا بشدّة على كل خططه للمستقبل.

2- البعد الثاني للمأزق ،هو أنه بالقرارات التي أقدم عليها،يكون سعيّد قد دفع تونس في قلب التنافس الإقليمي.وصار واضحا أن التحرّكات والاتصالات الديبلوماسية الأخيرة : زيارة وزراء الخارجية الجزائري و المغربي و السعودي، و نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، والاتصالات مع الأمريكان والأوروبيين، و الفرنسيين ،اتصالات الأتراك بالجزائريين،والتشاور الفرنسي الأميركي، كلّها موشّرات تدلّ أن تونس صارت ساحة تنافس اقليمي مفتوحة، وأنها دخلت المعادلة الاقليمية بقوة. بمعنى أن أي حل في تونس ،سيكون أيضا نتيجة ترتيبات و تسويات بين هولاء.لم يعد هناك شك أن جزءا من اللاعبين الدوليين ربط الساحة الليبية بالساحة التونسية: تعويض الخسائر هناك يمرّ عبر الضغط هنا، والعودة للساحة هناك يمر عبر انفراجة هنا. نحن نعيش بالتالي،ارتدادات التدخّل العسكري التركي في ليبيا، و تراجع المحور الإماراتين الفرنسي هناك،وحتى تراجع فرنسا في الساحل.بهذا المعنى، هناك لبننة للساحة التونسية.صارت تونس ساحة صراع، وورقة تفاوض.الحل هنا، يمرّ أيضًا عبر تسوية، تشمل كل الإقليم.محاولات التأثير الدولي،ليست جديدة ،وتونس لم تكن في معزل عن كل هذه الحسابات، لكن يحسب للفاعلين المحليين ،قبل 25 تموز( يوليو)، أنهم نجحوا نسبيا في تحصين الجبهة الداخلية (رفض الباجي لعروض الإمارات بإقصاء حركة النهضة بعد انتخابات 2014).قيس سعيّد ،فتح الباب لأن تصير تونس، جزءا من معادلة إقليمية تتجاوزها ،ولأن تكون جزءا من مقايضات وتسويات في ساحات أخرى، كان ممكن تفادي كل هذا بحوار وطني،لكن الرئيس رفض الحوار، ولعلّه الان يكتشف أن تونس ليست فقط شأنًا تونسيا،وهو ما أكّدته التحرّكات الديبلوماسية،وحتى تصريحات الغنّوشي للصحيفة الإيطاليّة البارحة،بما معناه تعقيدات الوضع هنا،ستصبّ عندكم في اوروبا.هشاشة وضعنا المالي يجعلنا أكثر عرضة للابتزاز والاختراق،ويضعف الجبهة الداخلية،مقابل حسابات الخارج.

3- عمليا، قيس سعيد علّق الدستور،وذهب من حيث لا يعلم إلى تدويل الأزمة التونسية في ظل هشاشة مالية ضاغطة.هو عمليا،أنهى الجمهورية الثانية.لكن ماذا بعد ؟ لن يستطيع سعيّد بناء جمهورية ثالثة بدستور جديد،أو حتى دستور معدّ لوحده. هو يحتاج في هذا إلى جبهة تدعمه،أو على الأقل للحد من تاثير الجبهة التي ستعارضه صراحة.بناء جبهة الدعم مرتبط بنجاعة إدارته للأزمة الماليّة والصحيّة ولموازين القوى الدولية.هو يحتاج في كل هذا إلى ضخّ أموال و إلى سيولة و إلى تنسيق مع قوى وطنية و دولية للإبقاء على الزخم الشعبي،الذي رافق قرارته أو في أفضل الأحوال،للحد من خيبة الأمل التي لا مناص منها لدى قطاعات واسعة.البلد يحتاج إلى إصلاحات جذرية، وإلى إلغاء الامتيازات و مواقع الريع وإصلاح جذري للموسسات العمومية، و إلى عودة الإنتاج. هي إصلاحات ،ستثير غضب قطاعات اجتماعية متنفّذة: اتحادات الشغل،والأعراف أساسا.هل يمكنه البناء بدون هولاء أو ضد هولاء بدون الدخول في الإكراه. إن نجح ،فسيكون ذلك حتما على حسابهم ،وإن فشل ، فعلى حساب البلد. كل الذين سبقوه فشلوا في إدارة هذه المعادلة.مأزق الرئيس يتجاوز شخصه.يتجاوزه ليصير في الواقع مأزق البلد.

*باحث تونسي

 (المقالة تعبّر عن الرأي الشخصي للكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي الموقع)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق