تقارير و تحليلاتعام

هل الكيان الصهيوني جاد في اغتيال السنوار ؟!

بقلم: وسام أبوشمّالة *
يبدو أنّ دوائر صنع القرار الإسرائيلي، قرأت الخطاب الأخير لرئيس حركة حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، بتمعّن وتأنٍّ شديدين، واستمعت إلى نبرات صوته، ودقّقت في لغة جسده ودرستها، وعرضت الخطاب على خبراء علوم النفس، والجهات الأمنية والاستخبارية، وأجهزة تقدير الموقف، من أجل المساعدة على قراءة نيّات السنوار، وقيادة حماس. فهي تعلم بأنّ الرجل لا يعشق الكاميرات، ولا تربطه بالصورة قصة حبّ، ويميل إلى العمل في الظلّ والخفاء، ويُؤْثِر الصمت على الثرثرة والكلام، فالعدوّ أدرك، منذ قرّر السنوار خطابه العلني بعد عام من الصوم عن الخطابات، أنّ للخطاب ما بعده، وما سيكون ليس كما كان.
وعكست تصريحات رئيس وزراء العدو، نفتالي بينيت، المتلفزة، في بداية افتتاح جلسة حكومته، والتي عقّب فيها على خطاب السنوار، مدى التأثير الذي تركه الخطاب في دوائر صنع القرار الإسرائيلي.
ويتضح أنّه، بعد أن قرأ العدو خطاب السنوار، وصل إلى عدّة خلاصات، منها:
1- أنّ السنوار يسعى لإشعال كلّ الساحات ضدّ العدو، ويحرّض على ذلك، ولاسيما الضفة الغربية والقدس والأراضي المحتلة عام 1948 والشتات. ويركّز، في تحريضه، على التشجيع على العمل الفردي غير المنظّم، وتحفيز عناصر فتح على الانخراط في تنفيذ عمليات فدائية. ويعتقد العدوّ أنّ عملية إلعاد الفدائية، والتي نفّذها بطلان فلسطينيان، جاءت بفعل تحريض السنوار المباشر في خطابه في نهاية شهر رمضان.
2- أدرك العدوّ أنّ السنوار، ومن خلفه قيادة حماس، لديهما الجاهزية والاستعداد لخوض مواجهة عسكرية جديدة، الأمر الذي يعني تمكّن الحركة من ترميم قدراتها العسكرية وتطويرها بعد معركة سيف القدس في أيار/مايو 2021.
3- أيقن العدو أنّ تهديدات السنوار، تجاه اعتداءات الاحتلال وتدنيسه المسجد الأقصى، وتحذيره من الحرب الدينية الإقليمية، تضع خطوطاً حمراء تسقط معها كل الحسابات. ومن جهة أخرى، يحرّض السنوار المجتمع الدولي على “إسرائيل”، عبر الإشارة إلى أنّ صمته عن جرائم العدو في الأقصى وعدم كبحِه سلوكَه، سيجعلان كلّ مسلم يفكّر في استهداف مصالح “إسرائيل” حيثما وُجدت، انتقاماً للأقصى.
4- يرى العدو أنّ دعوة السنوار التي وجّهها إلى منصور عباس من أجل الاستقالة من حكومة بينيت، تمثّل تطوراً خطيراً، يسمح لحماس بـ”العبث” بالخريطة السياسية الإسرائيلية، و”العبث” بالنظام السياسي الإسرائيلي، على نحو يؤدي إلى إذكاء حالة الاستقطاب في “إسرائيل”، سياسياً وحزبياً.
5- قرأ العدو في حديث السنوار أنّ بعض الجماعات الدينية اليهودية يرفض دعوات اقتحام الأقصى، بأنّ الصهيونية الدينية في “إسرائيل “تسعى لتوريط “اليهود” في صراع ديني، سيحرّض على قتلهم، الأمر الذي يخلق حالة صراع طائفي داخل “إسرائيل”.
وبذلك، استنتج العدو أن السنوار يحرّض عليه في كل الاتجاهات. يحرّض الشعب الفلسطيني، أفراداً وجماعات ، وفي كل الساحات، على تنفيذ عمليات فدائية، في كل الوسائل المتاحة، سواء بالسلاح الناري أو الأبيض. ويحرض منصور عباس على الانسحاب من حكومة بينيت، وبالتالي إسقاط حكومته. ويحرض الحركة الإسلامية الجنوبية على منصور عباس من أجل دفعه إلى الاستقالة. ويحرض اليهود على الصهيونية الدينية. ويحرض المسلمين على الدفاع عن الأقصى. ويحرض المجتمع الدولي على “إسرائيل”. ويحرض محور المقاومة على الاستعداد لحرب متعددة الجبهات للدفاع عن الأقصى.
بناءً على تحليل العدو مضمون خطاب السنوار ورسائله، وخلاصة قراءته للخطاب، وتقديره لنيّاته وأهدافه، يبدو أنّ العدو اتخذ عدداً من القرارات، أبرزها:
1- تقنين عدد الأفراد والجماعات من المستوطنين المقتحمين للأقصى، والحدّ من الصور الاستفزازية، وعدم اقتحام المصلّى القِبلي، خلال إحياء ذكرى “قيام الكيان”، بحسب التقويم العبري، في الـ5 من أيار/ مايو.
2- إرسال رسالة إلى حماس عبر الوسطاء، مفادها أنّ شرطة العدو لن تسمح برفع الأعلام الإسرائيلية خلال اقتحام الأقصى، ولن تسمح بأداء الصلوات التلمودية في باحاته، ولن تقتحم المصلى القِبلي.
3- تحميل يحيى السنوار، شخصياً، مسؤولية ما يحدث في الأقصى، نتيجة تحريضه المرابطين في الأقصى، وتشجيعه لهم.
4- تحميل السنوار مسؤولية أيّ عمل فدائي ضدّ الاحتلال، وربطها بتحريض السنوار في خطاب رمضان، وهو ما عكسته تعليقات أبرز وسائل الإعلام الإسرائيلية، وأبرز الكتّاب والإعلاميين، في أعقاب عملية إلعاد الفدائية.
5- بدء حملتين، إعلامية ودبلوماسية، تُظهران أنّ “إسرائيل” تحافظ على الوضع القائم في الأقصى، وتسمح بالصلاة فيه، وتسهّل وصول آلاف المسلمين إليه، وتحافظ على ممارسة الحرية الدينية لأتباع كل الأديان.
6- بدء حملة إعلامية مكثّفة للتحريض على اغتيال السنوار، وإرسال رسائل إلى الوسطاء والمجتمع الدولي، تُظهر دوره في التحريض على الكيان، وتحميله مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية، الأمر الذي سيمسّ الاستقرار في المنطقة.
7- إعداد خطة درج لاغتيال السنوار، ووضع السيناريوهات والتداعيات والفرص والتهديدات.
نفّذ العدو مئات عمليات الاغتيال التي استهدفت رموزاً وقادة فلسطينيين وعرباً ومسلمين. وفي نظر هذا العدو الغاشم، فإنّ الفلسطينيّ الجيّد هو الفلسطيني الميت، وحاول العدو اغتيال السنوار عدة مرات، كان آخرها قبل عام في أثناء معركة سيف القدس، وفشل في ذلك. وسيحاول مرات أخرى، وقد ينجح وربما يفشل، لكن المؤكد أنّ الصراع مع العدو لن ينتهي في اغتيال قائد مجاهد، بل سيمتدّ وسيأخذ أشكالاً جديدة، وقد يفجّر حرباً شاملة، لن يقدّر العدو نتائجها وانعكاساتها على مصيره، ووجوده في أرض فلسطين. ( انتهى المقال)
إنني أقول إن المواجهة الاخيرة القادمة في فلسطين، وأكرّر إن المواجهة الأخيرة القادمة – (وأضع خط تحت كلمة الأخيرة) – ستتجاوز في مدياتها وعنفوانها كل المركّبات والشرائح السياسية الحالية في فلسطين.

* كاتب سياسي فلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق