مقالات

على من يوزّعوا شهادات العمالة والبراءة على حماس… اصمتوا !

بقلم : أوّاب إبراهيم المصري

أرجو أن لايُساء فهمي، فليس المقصود بالعنوان، هو الجمهور من الناس الذين يجلسون مضطّجعين على كنبة، يحملون هواتفهم الذكية، يوزّعون إعجاباتهم وتعليقاتهم على من تعثر عليه أعينهم في وسائل التواصل الاجتماعي . هؤلاء القوم، لهم أن ينتقدوا حماس كما شاؤا، فهؤلاء “شغلتهم وعملتهم” التنظير وتوزيع الآراء سواء طُلبت منهم أم لم تُطلب. هؤلاء لا يسعك إلا أن تقدّر الساعات الطوال التي يقضونها وهو يساجلون ويقارعون ويناقشون بأمور بعضها “بطعمة”، ومعظمها “بلا طعمة”.
المقصودون بالعنوان، هم أولئك الذين يرون في أنفسهم أصحاب رأي وحكمة، والذين يملكون منابر يتحدّثون من خلالها، ولهم مؤيّدون ومعجبون ومناصرون. هؤلاء الذين انقضّوا على حركة حماس نهشاً وقضماً بعد إعلانها استعادة علاقتها مع النظام السوري. اللافت في معظم هؤلاء، انكشاف أنهم لم يكونوا أصلاً يكنّون ودّاً ولا إعجاباً بحركة حماس وجهادها، لكنهم كانوا يلتزمون الصمت، ولا يجرؤون على التعبير عن موقفهم الحقيقي وكراهيتهم المضمرة. لكنهم وجدوا اليوم الفرصة مؤاتية لإخراج ما تضمره قلوبهم ونفوسهم من بغض وغلّ تجاه حركة حماس ونهجها.
لستُ معجباً بأداء حماس السياسي في الآونة الأخيرة، ولست راضٍ عن استعادة العلاقة مع نظام مجرم، ولا أملك أي معلومة حول الأسباب التي دفعتها لاتّخاذ خطوة خاطئة كهذه، لكنني بالتحليل أجزم بأن إيران هي التي تضغط على حركة حماس لاستعادة هذه العلاقة. وحين نقول إيران، فإننا نتحدّث عن الجهة الوحيدة التي تقدّم الدعم بالمال والسلاح والحماية لحماس وقيادتها، ومن دون إيران، لن تتمكّن حماس من الصمود وخوض أي مواجهة مع العدو الإٍسرائيلي.. هي الحقيقة المرّة التي يجب الإقرار بها.
وللعلم ، فإن الضغط الإيراني لاستعادة العلاقة ليس على حماس فقط، بل أيضاً على النظام السوري ورئيسه، بعد “الخيانة العظمى” التي ارتكبتها حماس بحق هذا النظام. فالنظام السوري قدّم لحركة حماس ما لم يقدّمه أي نظام آخر، والحرية التي تنعّمت بها حماس وقيادتها وكوادرها على الأراضي السورية لم تتنعّم بمثلها في أي مكان آخر. فالنظام كما الشعب السوري فتحوا أيديهم لحماس، وقدّموا لها ما تريده وما تحتاجه. فصارت سوريا ملعباً مفتوحاً للحركة، تدرّب فيه عناصرها، وتطوّر فيه أسلحتها، تجتمع فيه قيادتها وتتنقل بحرية وأمان، وتشكل ساحة خلفيّة لدعم وتنظيم وتطوير منظومة المقاومة في الأراضي الفلسطينية. النظام السوري نظام مجرم صحيح، لكنه أكرم حركة حماس ودلّلها كما لم تفعل أي جهة أخرى. مقابل هذا الكرم والدلال، حين بدأ يبطش النظام بشعبه، لملمت حماس أغراضها وأفرادها وانسحبت من سوريا ورفضت منح النظام صكّ براءة.
الثمن الذي دفعته حماس للتخلُي عن النظام ، مقابل مناصرة الشعب السوري لا يقل عن الثمن الذي دفعه السوريون أنفسهم. والدعم الذي قدّمته حماس للثورة السورية لم يقدّمه من ينتقدونها اليوم. فليس سراً أن كوادر وعناصر من حركة حماس شكُلوا فصيلاً مسلحاً وانضموا إلى المعارضة السورية، وخاضوا معارك ضد النظام في مخيم اليرموك وأنحاء أخرى. ومازلنا نذكر صور مجزرة (حي التضامن) التي تكشّفت قبل أشهر، والتي كان من بين ضحاياها فلسطينيون، حين كان المجرم الذي يرمي الضحايا في الحفرة قبل إطلاق النار عليهم يقول لهم “إنت مع حماس ولاه”.
وفي الوقت الذي كانت حماس تناصر الثورة، كانت بعض فصائل المعارضة السورية في أحضان الولايات المتحدة الداعم الرئيس للعدو الإسرائيلي. فواشنطن هي التي رعت وموّلت ونظّمت ودرّبت العديد من فصائل المعارضة. كما أن بعض فصائل المعارضة كانوا على علاقة وتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، ووصلت هذه العلاقة مستوى معالجة جرحى المعارضة في المستشفيات الإسرائيلية. لم نسمع يومها صوتاً من حركة حماس أو غيرها تنتقد هذا التعاون والتنسيق، أو تخوين المتواصلين مع العدو الإسرائيلي وتنعّم بفيء الولايات المتحدة.
نعم راهنت حماس على سقوط النظام السوري، لكن رهانها أخفق، والنظام رغم إجرامه وهزاله مازال صامداً. الذي سقط هي المعارضة السورية التي بدأت تأكل بعضها وتنهش لحم بعضها. ومن يريد أن يعمل عليه التكيّف مع الوقائع ويجتهد، يصيب أحياناً ويخطئ أحياناً أخرى، لكنه حتماً خير من الذي يوزّع شهادات العمالة والبراءة وهو مضطّجع على جنبه يلهو بهاتفه، يشرب رشفة من كوب شاي ساخن بعد توقيع كل شهادة.

كاتب لبناني.

(المقالة تعبّر عن الرأي الشخصي للكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي الموقع).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق