مقالات

لماذا أثار فلما لبنانيا جدلا وضجّة في مصر ولم يثرها في لبنان؟!

بقلم : د.سعيد وليد الحاج

أحد الأمور التي لفتت نظري في الجدل الذي أثير حول فيلم “أصحاب ولا أعز”، هو أنه تركّز في مصر ،وغاب تقريباً – فيما تابعت وفي محيطي – عن لبنان، على الرغم من أن الفيلم “لبناني” في أغلبه، حيث إن مخرجه والغالبية العظمى من أبطاله من لبنان، وتدور احداثه في لبنان..الخ.
وفي تفسير ذلك ، قيل إن السبب ،جماهيرية بطلة الفيلم الأولى والأكثر شهرة منى زكي، وقيل بصوت أخفت ، إن بعض الأمور أكثر قبولاً في لبنان منها في مصر.
وعلى الرغم من أن السبب الأول صحيح،والثاني قد يصحّ جزئياً، إلا أنني لا أعتقد أنهما يكفيان إطاراً تفسيرياً لفهم ما حصل.
في ظني أن هناك فوارق أساسية بين لبنان ومصر، تسبّبت بهذه الفجوة في ردّات الفعل. ويمكنني تلخيصها بثلاثة:
الأول،أن هناك تجانساً إلى حد كبير في الشعب المصري، مفقود في الحالة اللبنانية، وبالتالي يمكن الحديث عن منظومة أخلاقيّة جمعية (قد يختلف حولها الناس بالتأكيد)، وما هو مقبول أو غير مقبول بالنسبة لـ”الشعب المصري”. في الحالة اللبنانية، نكاد نتحدّث عن “شعوب” متعايشة مع بعضها البعض. فالانقسامات في لبنان مركّبة: مناطقية ودينية ومذهبية وسياسية واقتصادية..الخ.
الثاني، هناك مرجعيات يُحتكم إليها عادة، أو يسمع لها البعض في الحالة المصرية، مثل: الأزهر وبعض رجال الدين في مواضيع دينية أو اجتماعية معيّنة،بينما لا يوجد ذلك في الحالة اللبنانية بما يمثّل الكل، بسبب التنوّع الديني والمذهبي المعروف في لبنان.
ثالثاً، هناك في مصر تدخّل ملحوظ للدولة/الحكومة/النظام في مختلف مناحي الحياة وشبه سيطرة عليها ،بما في ذلك المجال الفني، والسيطرة على شركات الإنتاج وقطاع السينما والقنوات التلفزيونية و”الأذرع الإعلامية” معروفة للجميع.
في المحصلة،حالة التجانس ووجود المرجعيات (المرغوبة أو المرفوضة لا فرق) في الحالة المصرية تسهّل فكرة التقييم والرفض والسيطرة وحتىى الحظر، بينما في الحالة اللبنانية، هناك تنوّع (بل وتشظّي) يستحيل معه الحديث عن لبنان واحد، أو شعب لبناني واحد، بل عن عدة لبنانات أحياناً.
كان لصمويل هنتنغتون في كتابه “صدام الحضارات” كلام جميل عن الهويات الفرعيّة في الشعوب والدول، وكيف أنها تتعمّق وتتجذّر وتستحيل هويّات أساسية في حالة ضعف الدولة/الوطن، أي إن الناس تتّجه للاحتماء بالهويات الفرعية الثانوية، حين لا تعود تشعر بالأمان في ظل الهوية الرئيسة الجامعة، والتي هي في هذه الحالة المواطنة في ظل الدولة.
حالة التنوّع في لبنان كانت دائماً ثراءً وإثراءً، لكن يبدو أن الأزمات المتلاحقة تحوّلها إلى حالة تشظّي وفوضى وتقسيم.

*كاتب فلسطيني

(المقالة تعبّر عن الرأي الشخصي للكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي الموقع)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق